محمد أبو زهرة

33

زهرة التفاسير

أعطاني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم شيئا كتمه عن الناس إلا أن يؤتى الله عبدا فهما في كتابه » « 1 » . ( د ) إن عبارات القرآن تدعو إلى فهمه فقال تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً . . . ( 269 ) [ البقرة ] فقد قال فقهاء السلف إن الحكمة هي فهم القرآن ، وإذا كان فهم القرآن خيرا كثيرا ، فإنه سبحانه يدعو القادرين على الفهم للبحث والتأمل والنظر في الآيات وفهمها . ولقد قال تعالى : . . . وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . . . ( 83 ) [ النساء ] وفي هذا دعوة إلى الاستنباط ، واستخراج المعاني العميقة ، كما يستنبط الماء من الآبار ، وفيه إشارة إلى وجوب تعرف معاني القرآن بالفهم بصحيح كما يتعرفونها بالآثار الصحيحة ، فهما طريقان مستقيمان ، فمن منع أحدهما فقد خالف العقل والنقل . ( ه ) إن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما بالفهم في القرآن فقال : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » « 2 » وليس التأويل إلا فهم مرامى العبارات والمآل والمكان للمعاني التي تشتمل عليها الألفاظ وجمل القول . ولو كان التفسير مقصورا على ما ورد من أقوال النبي لقال عليه الصلاة والسلام : « حفّظه » . والغزالي لا يقف في استدلاله عند تأثير التفسير بالرأي ، بل ينقد أدلة الوقافين الذين يقفون عند المأثور عن النبي صلى اللّه عليه وسلم والصحابة والتابعين لا يعدونهم - وينقدهم من وجوه : أولها : أنه لكي يصح الوقوف على تفسير رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يجب أن يكون كل ما نأخذ به من تفسير مسندا إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، أو ثابتا بالضرورة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري - كتاب العاقلة - باب : الديات ( 6903 ) . وبنحوه عند مسلم - كتاب العتق ( 1370 ) وكذا رواه الترمذي ، والنسائي ، وأبو داود ، وأحمد . ( 2 ) أخرجه أحمد : كتاب : مسند بني هاشم - باب : بداية مسند عبد الله بن عباس ( 2874 - 3932 ) وابن حبان والحاكم وقال : صحيح الإسناد .